أبي منصور الماتريدي
71
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وعن عائشة ، رضى اللّه تعالى عنها ، قالت : « قلت : يا رسول اللّه ، أكل أهلك يرجع بحجة وعمرة غيرى ؟ قال : انفرى فإنه يكفيك » « 1 » . إلى هذه الأخبار ذهب أصحابنا . والأصل : احتج أصحابنا أيضا بشيء من النظر ؛ وذلك أن اللّه تعالى فرض الصلاة والزكاة والصيام في أوقات خصها بها ، وأجمع أهل العلم أن المتطوع بالصدقة والصلاة والصيام يفعل ذلك متى شاء ، ثم أجمعوا أن العمرة لا وقت لها ؛ فدل ذلك على أنها تطوع ؛ إذ لو كانت فريضة كان لها وقت مخصوص يفعل فيه كغيرها من الفرائض . فإن قيل : إن الحج التطوع مخصوص بوقت كمخصوص المفروض منه ، فكما لا يدل الخصوص الذي في الحج التطوع على وجوبه ، فكذلك العموم الذي في العمرة لا يدل أنها تطوع قيل : وجدنا الفرض كله مخصوصا بوقت ، ووجدنا التطوع على ضربين : منه ما هو مخصوص ؛ كالحج ، ومنه ما هو غير مخصوص ؛ كالصلاة والصيام والصدقة . فلما لم نجد في الفرض ما ليس بمخصوص بوقت ، [ جعلنا كل ما ليس بمخصوص بوقت تطوعا ] « 2 » غير فرض . واحتجوا أيضا : بأنا وجدنا العمرة تفعل في أشهر الحج ، ولم نجد صلاتين تفعلان في وقت واحد فريضتين ، ولكن تفعل الصلاة التطوع في وقت الفريضة ؛ فثبت لما جاز أن يجمع بين فعل الحج والعمرة في وقت واحد أنها تطوع ؛ كالصلاة التي تفعل في وقت الظهر وغيرها . واحتج من جعلها فرضا بأن قال : لم نجد شيئا يتطوع به إلا وله أصل في الفرض « 3 » ، فلو كانت العمرة تطوعا لكان لها أصل في الفرض . قيل : العمرة إنما هي الطواف والسعي ، ولذلك أصل في الفرض - فرض الحج - مع ما أنا وجدنا الاعتكاف تطوعا ، وليس له أصل في الفرض . فعلى ذلك العمرة . والأصل : أن كل ما يبتدئ اللّه إيجابه على عباده فإنه يوجب فعلها بأوقات أو يجعل لأدائها أوقات ، والعمرة ليس لوجوبها وقت ، ولا لأدائها . ثبت أنها ليست مما أوجبها اللّه تعالى . وقوله : فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ . قوله : فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ الآية على الإضمار ، كأنه قال - واللّه أعلم - :
--> ( 1 ) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ( 2 / 201 ) . ( 2 ) سقط في ط . ( 3 ) في ب : القرآن .